كُلَّما كَبُرَتْ أحلامُنا
كُلَّما فَقَدَتْ براءَتَها
وغَدَتْ تَطلُبُنا بِوجوهٍ لا تُشبِهُنا
تَدفَعُنا لِنخدِش ما كانَ يَبدو طاهِراً
في أعماقِنا
فالأحلامُ حينَ تَكبُرُ
تَكبُرُ مَخالِبُها
كُن صادقًا
هل في فراقِكَ متسعْ؟
هل عاشَ من فقدَ الحبيب مقتنعْ؟
عُمْري معكْ كانَ الهناءَ بأسرِهِ
والموتُ دونَك كانَ أرحمَ لو وقعْ
مَلَأَ العُيونَ بِصورَةٍ
تُلِيَت مَحاسِنُها سُوَر
فَإِذا رَنا وَإِذا مَشى
وَإِذا شَدا وَإِذا سَفَر
فَضَحَ الغَزالَةَ وَالغَمامَةَ
وَالحَمامَةَ وَالقَمَر
- ابن خفاجة
قد قُلتُ لَنْ أعودَ إِلَيكَ مُشتاقًا
وقد قُلتُ لَنْ أعودَ إِلَيكَ مُحتاجًا
وها قَدْ جَرَّنِي الشَّوقُ إِلَيكَ جَرًّا
وها قَدْ قادَني الحُبُّ إِلَيكَ قَسرًا
قَدَرٌ عَلَيَّ أَنْ أُقَاسِيَ حُبَّ مَنْ
جَهِلَ الغَرَامَ وَمَا دَرَى مَعْنَاهُ
وَقَدَرٌ عَلَيْكَ أَنْ تَظَلَّ جَاهِلًا
عَنْ قَلْبِ صَبٍّ أَنْتَ كُلُّ مُنَاهُ
أما أنا، لم تأتِ الرّياحُ فقط بما لا تَشْتَهِي سَفينتي
بل مَزَّقَت أشرعتي
وأضاعت بوصلتي ومُجادِيفي
لم تَكُن يومًا رِياحٌ هينة
أحزانُك المُتراكِمةُ
لن تَبقَ ساكنةً
ستثورُ يوماً ما
وتتحوّلُ إلى غَضَبٍ عارمٍ
غَضَبٌ على الأيّامِ التي سَرَقَتْكَ
وغَضَبٌ على المساراتِ التي قَيَّدَتْكَ
وغَضَبٌ على الأحلامِ التي خَذَلَتْكَ
وغَضَبٌ على الحَظِّ الذي عانَدَكَ
كأن لم تَعُدْ تَملِكُ شُعوراً سوى شُعورِ الغَضَب
ما حَطَّكَ الواشونَ عَن رُتبَةٍ
عِندي وَلا ضَرَّكَ مُغتابُ
كَأَنَّما أَثنَوا وَلَم يَشعُروا
عَلَيكَ عِندي بِالَّذي عابوا
- ابو نواس
دَائِماً ما كُنتُ أَكتَفي بِحُبِّ الأَشياءِ مِن بَعيدٍ
أَضَعُ لِقَلبي حُدوداً لا يَتَخَطّاها
إِلى أَن أَحبَبتُكَ
فَفَقَدتُ كُلَّ حُدودي
وَلَم أَعُد أَكتَفي بِحُبِّكَ مِن بَعيدٍ
عَلَّمَني حُبُّكَ
رَغْبَةُ الاقْتِرابِ
وَوَدِدتُ لَو أَنَّني أَقرَؤُكَ
حَرفاً حَرفاً
سَطراً سَطراً
أُريدُكَ.. كَيفَ أُخفي ما
بِقلبي مِن هَوىً يَسكُنُ؟
وَحُبُّكَ في دَمي يَجري
وَيَنبِتُ في الحَشا يَكمُنُ
إِذا حاوَلتُ كِتمانَهُ
تَفيضُ بمُقلَتِي العَبَراتِ
وَإِن أَخفَيتُ ما أَلقى
تَبوحُ بِحُزنِي النَّظَراتُ
أُحِبُّكَ دونَ تَبريري
وَحُبُّكَ هَذا يُؤذيني
لأُروي لكَ
عَن آثارِ فَقْدِكَ
عَن لَيْلٍ يُنهِكُني
وعَن شَوْقٍ يُؤرِقُني
وعَن وَجَعٍ يُرافِقُني
وعَن ظِلٍّ يُلاحِقُني
فَلا الأَيّامُ تَنسيني
ولا الأَشواقُ تَتْرُكني
ولا صَبْرًا يَداويني
ولا ذِكرى تُسلّيني
عِندي مِنَ الأَسبابِ ما يَكفي لِكَي
أمضي بعيدًا عَن هَواكَ وَأَهجُرَك
وَعندي مِنَ الحُبِّ ما يَكفي لِكَي
يَمحو جَميعَ المُوجِباتِ وَيَعذُرَك
يَقتادُني حُبّي إِلَيكَ فَلَو بَدَت
أَسبابُ هَجْرِكِ ما ارتَضَيتُ لأَهجُرَك
لَوْ أَنَّ حُبَّكَ يَسقُطُ مَعَ أَوْراقِ هذا الخَريفِ
لَوْ أَنَّ النَّسيمَ يَمُرُّ عَلَى أَطْرافِ قَلْبي
لِيَحْمِلَ مَعَهُ بَقاياكَ
لَكِنَّهُ يَأبَى
يَأبَى السُّقوطَ
يَأبَى الرَّحيلَ
فَلْتَسْمَحِي لي أَنْ تَفيضَ مَشاعِرِي
وَأَكونَ عارِيًا مِن كُلِّ ادِّعاءٍ
فَلْتَسْمَحِي لي أَنْ أَكونَ كَما أَنا
بِكُلِّ شَوْقِي وَحَرْقَتِي
بِكُلِّ ضَعفِي وَقُوَّتِي
فَهَلْ تَقْبَلِينَ حَقيقَتِي؟
في الرُّوحِ جُرحٌ نازِفٌ
في القَلبِ خَوفٌ راجِفٌ
في العَينِ دَمعٌ واكِفٌ
في الصَّدرِ هَمٌّ عاصِفٌ
كُلُّ الوُجوهِ تَشابَهَت
كُلُّ الدُّروبِ تَقاطَعَت
كُلُّ الحِكاياتِ انتَهَت
كُلُّ المَسافاتِ اختَفَت
هَذا زَمانُ الخَوفِ وَالتَّرحالِ
هَذا زَمانُ الصَّمتِ وَالإِغراب
لَم تَبعُد
ولَم تَقتَرِب
بَقيتَ كَغُصَّةٍ في القَلبِ
لا أَنتَ مَن يُسكِتُ ظَنوني بِقُربِكَ
ولا أَنتَ مَن يُميتُها بِبُعدِكَ
بَينَ الحُضورِ والغِيابِ مُقيمًا
مِن غَيرِ قَصدٍ قَد وَصَلتُ لِبابِكُم
مُتَرَدِّداً، مُتَحَيِّراً، مُتَسائِلا
مُتَلَعثِماً، مُتَخَوِّفاً، مُتَوَجِّساً
مُتَرَقِّباً، مُتَأَمِّلاً، مُتَفائِلا
مُتَصَوِّراً أَنّي سَأَلقى عِندَكُم
قَلباً يَفيضُ مَحَبَّةً وَتَوَدُّدا
صِلني ولو كانَ وصلكَ حُلْم
فإني قَنُوعٌ بِطَيفٍ يَمُرُّ
أُريدُ لقَاكَ ولو في المَنامِ
فكلي اِشتياقٌ للقيا يَسُرُّ

