عمري الآن 34 عامًا تقريبًا.
عن نفسي: جزء كبير من أحاديثي في الثلاثينات تكون عن أمور بدأت في العشرينات أو في آخر العشرينات، لذلك ازرع جيدًا بعد العشرين، فأثر كل شيء تختاره في العشرينات ستجده حاضرًا في تفكيرك في الثلاثينات، ما أحسنت اختياره ستجده يحيط بك ويُطوّقك وييسر لك مثل سوارٍ في يدك، كذلك ما أسأت اختياره وإن كان الأمر نسبيًا أحيانًا.
جاء في كتاب «الصداقة والصديق» لأبي حيان التوحيدي أن الحسن بن وهب كتب إلى صديقٍ له يصف شوقه إليه فقال: «قد قسمك الله بين طرفي وقلبي؛ ففي مشهدك أنس قلبي، وفي عينيك لهو طرفي». كأن بعض الناس لا يكون حضورهم مجرد لقاء، بل امتلاءً للمكان كله؛ تراهم فتسكن العين، ويطمئن القلب. وهو المعنى نفسه الذي التقطه ابن زيدون في بيتٍ يكاد يكون تتمةً لهذه الرسالة: «إن غبت لم ألق إنسانًا يؤنسني، وإن حضرت فكل الناس قد حضرا».
كلما تأملت قوله تعالى: «وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ»
أدركت أن عناية الله بنا لا تظهر دائمًا في الأشياء التي تدفعنا إلى الأمام؛ أحيانًا تظهر في الأشياء التي تمنع حياتنا من الانهيار. في صحةٍ بقيت، وبيتٍ لم يتصدع، وشخصٍ ظل حاضرًا، ورزقٍ لم ينقطع، وقلبٍ لم يفقد قدرته على الاحتمال. نحن نلتفت كثيرًا لما أضافه الله إلى حياتنا، ونغفل عما ثبّته فيها. وربما كان بعض أعظم الفضل فيما لم يحدث أصلًا؛ في اهتزازٍ كان يمكن أن يقع، لكن الله ألقى في طريقه رواسي رحمته.
