ليسَ هذا خداعاً، بل هو قانونٌ قاسٍ نتعلمه متأخرين لنحمي أرواحنا؛ أن تُشعلَ النارَ في خشبِ سفينتِكَ بيديك، لا لتُدَمّرَهَا، بل لتُحوّلَهَا إلى لهيبٍ عظيمٍ يحرقُ كلَّ الأثقالِ التي كانت تمنعُكَ من الطفو.
هُناكَ، في قلبِ بحرٍ واسعٍ من العتمةِ والسكون، وحينَ لا يسمعُ العالمُ إلا صوتَ احتراقِكَ، تُدركُ أنَّ الحقيقةَ الكاملةَ لا تُبنى إلا على بقايا الأكاذيبِ التي كُنّا نخافُ من فقدانها.
أشعلتُ النارَ في ذاتي، فتحوّلَ الدخانُ الأسودُ إلى إشارةِ إنقاذٍ في الفراغ، والضوءُ المتصاعدُ إلى بوصلةٍ تنيرُ روحي.
هربَ من كانَ يبحثُ عن أمانٍ زائف، وبقيَ فقط من يعرفُ أنَّ النارَ هي الطريقُ الوحيدُ للعبورِ إلى شاطئٍ جديد.
عندما تُحاصرُكَ ظروفُ الحياةِ، لا تصرخ طلباً للنجدة، بل أشعل النار في كل شيء، واجلس وسط اللهب مبتسماً؛ لأنكَ أدركتَ أخيراً أنَّ التحطمَ هو أصدقُ طريقةٍ للبقاء، وأنَّ من لا يخافُ على سفينتِهِ من الاحتراقِ، هوَ وحدَهُ من يستحقُ أن يملكَ البحرَ بأكمله.
هُنا، خلفَ زجاجِ النوافذِ البارِد، حيثُ يَنْفصلُ الضوءُ الدافئُ عن عتمةِ المدينةِ كحدٍّ فاصلٍ بينَ الماوراءِ والواقع، أجلسُ أنا ووحدتي ورفيقٌ صامت، نُديرُ طقساً مقدساً لشربِ الوقتِ وهوَ يَتبخرُ من فنجانِ قهوة.
أُشاهدُ العالَمَ يمرُّ كظلالٍ على جدارٍ خشبي، وأدركُ أنَّ أعمقَ المشاعرِ ليست تلكَ التي تُقال، بل تلكَ التي تَتَجَمَّدُ في الحلقِ حينَ تُدركُ الروحُ أنَّها بلغتْ حدَّ الكفاية.
أنا لا أهربُ من العالَمِ، أنا أُعيدُ تشكيلَ فيزياءِ الحزنِ فيه؛ أُفككُ عقدةَ الوجودِ إلى أجزاءٍ صغيرة، وأُعيدُ تركيبَها في هيئةِ سكونٍ لا يَكسِرُهُ شيء.
أبني جنّتي على الهامشِ لأنَّ المركزَ ملوثٌ بالتوقعات، والهامشُ هوَ المساحةُ الوحيدةُ التي تتنفسُ فيها الروحُ بحريةٍ دونَ أن تَخونَهَا الشكوك. هُنا، في العزلةِ المُختارةِ، أمنحُ العالمَ غفراناً لم يطلبهُ مني، وأُقيمُ مملكةً لا يسكنُها سوى الهدوءُ، والكلماتُ... واللاشيءُ الذي يُشبهُ كلَّ شيء.
تلكَ المساحاتُ التي لا تطأُها أقدامُ العابرين، حيثُ يَتَساقَطُ الضجيجُ، ويَتَصاعَدُ السكونُ كبخارٍ فوقَ غاباتٍ من ظلال. أُولئكَ الذينَ يختارونَ الأفقَ البعيد، والذينَ يُشبهونَ جبلاً يضيءُ بلونٍ غامضٍ في قلبِ العتمة؛ لا يبحثونَ عن وجهِةٍ، بل يبحثونَ عن ذواتِهِم في مرايا الكونِ الشاسعة. هناك، في العزلةِ النادرةِ، تَتَعرَّى الروحُ من زيفِ الحضور، وتُصبحُ الأسئلةُ الصامتةُ هيَ اللغةَ الوحيدةَ المستحقة.
سَكَنَتْ رُوحِي، فَمَا عَادَ يُغْرِيهَا الجِدَالُ، ولا يُزْعِجُهَا العُزُوفُ؛ لأنَّهَا أَدْرَكَتْ أَنَّ الوجودَ ليسَ معركةً على المعنى، بل طاولةٌ صغيرةٌ على رصيفٍ قديم، يتقاسمُ عليها الغرباءُ صمتَهُم قبلَ قهوتِهِم. صَارَتْ تَجْلِسُ على حافَّةِ الضوءِ الذاهب، تُشاهِدُ العُمرَ وهوَ يَتَسَاقَطُ ظِلالاً طويلةً على حجارةِ المدينة، وتَعْلَمُ أنَّ الألمَ حينَ يَعْقِلُ يصيرُ معرفةً، وأنَّ الغيابَ حينَ يَطولُ يصيرُ حضوراً آخرَ؛ فلا تُطارِدُ يقيناً، ولا تَخافُ من فراغٍ، بل تتركُ قلبَهَا مفتوحاً على مهلٍ كَنافذةٍ في مقهى مهجور، تُؤمِنُ أنَّ العبورَ نفسَهُ هوَ البيتُ، وأنَّ السؤالَ إذا لم يَجِدْ جواباً في ضجيجِ العالم، صارَ هوَ الجوابَ في سكونِ الروح.














